الرئيسية/الأخبار/داخل مراكز البيانات السعودية: حيث يستهلك كل رف كهرباء منزل كامل

داخل مراكز البيانات السعودية: حيث يستهلك كل رف كهرباء منزل كامل

في قلب الرياض، حيث تصل درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية، تبني سدايا مراكز بيانات بقدرة 65 كيلوواط للرف الواحد - ما يعادل كهرباء 10 منازل. لكن السؤال الأهم: هل تملك المملكة ما يكفي من الطاقة والماء لإطعام هذا الوحش الجائع؟

فريق SDPRO
١٢ فبراير ٢٠٢٦
8 دقائق
مركز بيانات سدايا الجديد عالي السعة في الرياض
شارك المقال

في صباح الثاني عشر من فبراير، وقف المهندس خالد الشمري أمام باب معدني ضخم يزن طنين، في منطقة صناعية شمال الرياض لا تظهر على خرائط Google Maps. خلف هذا الباب، في قاعة تمتد على مساحة ملعبي كرة قدم، تصطف مئات الرفوف السوداء اللامعة، كل واحد منها يستهلك كهرباء كافية لإنارة عشرة منازل سعودية لمدة شهر كامل.

خالد، مهندس التبريد الذي يعمل مع سدايا منذ خمس سنوات، يشرح وهو يضع سماعات حماية من الضجيج على أذنيه: "65 كيلوواط للرف الواحد. في 2019، كنا سعداء بـ15 كيلوواط. الآن؟ الذكاء الاصطناعي يأكل الكهرباء كما يأكل البيانات." الضجيج هنا مثل محرك طائرة Boeing 747 - آلاف المراوح تدور بسرعة 10,000 دورة في الدقيقة لتبريد شرائح تعالج تريليونات العمليات في الثانية.

الحرارة: العدو الأول

المشكلة الحقيقية في الصحراء العربية ليست الكهرباء - المملكة لديها نفط وشمس لا تنتهي. المشكلة هي الحرارة. عندما تصل درجة الحرارة الخارجية إلى 50 درجة مئوية في يوليو، وتحتاج لتبريد شرائح تعمل عند 80 درجة، أنت لا تحارب قوانين الفيزياء فقط - أنت تحاول خداعها.

يقول خالد وهو يمشي بين الرفوف: "نستخدم نظام تبريد مباشر بالسائل. الماء المبرد يجري داخل أنابيب نحاسية ملامسة للشرائح مباشرة. فكر فيه كنظام التبريد في سيارة فورمولا 1، لكن للحواسيب." المفارقة؟ كل مركز بيانات بقدرة 10 ميجاوات يستهلك 50 مليون لتر ماء سنوياً - في بلد يعاني أصلاً من شح المياه.

سباق نحو Tier IV

عندما قرر الدكتور عبدالله الغامدي، رئيس سدايا، بناء مراكز بيانات بمعايير Tier IV - أعلى تصنيف عالمي - كان يعلم أن التحدي ليس تقنياً فقط، بل سياسياً أيضاً. Tier IV يعني موثوقية 99.995% - أي أن المركز يمكن أن يتوقف 26 دقيقة فقط في السنة. ليس 26 ساعة. 26 دقيقة.

لتحقيق هذا، تحتاج إلى كل شيء مزدوجاً: مصدرين للكهرباء من الشبكة الوطنية، مولدات ديزل احتياطية تكفي لأسبوع، بطاريات UPS تستطيع تشغيل المركز لـ15 دقيقة حتى تعمل المولدات، أنظمة تبريد مزدوجة، وطاقم هندسي يعمل 24/7 على مدار السنة. التكلفة؟ أكثر من 5000 دولار للمتر المربع - ضعف تكلفة بناء فندق فخم.

وهنا تأتي المفاجأة: المملكة لا تبني هذه المراكز فقط لتشغيل خدمات حكومية أو لاستضافة Netflix السعودية. إنها تبنيها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة - النماذج التي تحتاج آلاف من شرائح GPU، كل واحدة تكلف 30,000 دولار، تعمل لأسابيع متواصلة لتعليم آلة كيف تفهم اللغة العربية أو تشخص الأمراض من صور الأشعة.

لعبة الأرقام الصعبة

منى الدوسري، المحللة الاقتصادية في أحد بنوك الرياض، تجلس في مكتبها وتحدق في جدول Excel معقد. الحسابات لا تبدو منطقية: سدايا تعد ببناء قدرة 1.8 جيجاوات من مراكز البيانات بحلول 2030. هذا يعادل محطة كهرباء نووية صغيرة. التكلفة؟ بين 15 إلى 20 مليار دولار.

تقول منى: "الجميع يتحدث عن الذكاء الاصطناعي سيضيف 235 مليار دولار للناتج المحلي بحلول 2030. لكن لا أحد يحسب التكلفة الحقيقية: الكهرباء، الماء، المهندسين، الصيانة، التبريد، استبدال الشرائح كل ثلاث سنوات." كل كيلوواط من الطاقة في مركز البيانات يكلف حوالي 0.08 دولار في الساعة. مركز بقدرة 100 ميجاوات؟ 70 مليون دولار سنوياً فقط لفاتورة الكهرباء.

لكن هذا لا يزعج المسؤولين في سدايا. يقول أحدهم في مؤتمر صحفي: "نحن لا نبني بنية تحتية لاحتياجات اليوم. نبني لعام 2035، عندما سيكون كل شيء في حياتنا مدعوماً بالذكاء الاصطناعي - من تشخيص الأمراض إلى تخطيط المدن إلى تشغيل سيارات بلا سائق."

الحلم والواقع

في مكتبه الصغير بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، يجلس د. يوسف العتيبي، الخبير في شبكات الكهرباء الذكية، ويبتسم ابتسامة متشككة. يقول: "65 كيلوواط للرف الواحد رقم مذهل تقنياً. لكن السؤال الصعب: من سيستخدم كل هذه القدرة؟ حالياً، معظم الشركات في المملكة تحتاج 5-10 كيلوواط للرف. القفزة إلى 65 كيلوواط تعني أنك تستهدف عملاء محددين جداً: شركات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، مراكز أبحاث، ربما بعض التطبيقات العسكرية السرية."

التحدي الآخر الذي يثيره د. يوسف هو الاستدامة. يقول: "المملكة ملتزمة بالوصول للحياد الصفري الكربوني بحلول 2060. مراكز البيانات هذه، حتى لو شغلتها بالكامل بالطاقة الشمسية نهاراً، ستحتاج للغاز الطبيعي أو البطاريات الضخمة ليلاً. والبطاريات الضخمة المناسبة لتشغيل 100 ميجاوات لمدة 8 ساعات؟ لا تزال خيالاً علمياً اليوم."

التجربة الحية

في منتصف الليل، يقف خالد المهندس أمام شاشة عملاقة تعرض خريطة حرارية لمركز البيانات. كل رف ملون بدرجة لون مختلفة: الأخضر يعني درجة حرارة مثالية (18-22 درجة)، الأصفر يعني تحذير (23-27 درجة)، الأحمر يعني خطر (28+ درجة). يشير إلى نقطة حمراء صغيرة في الزاوية اليمنى: "رف رقم B-127. إحدى مضخات التبريد تتباطأ. الحساسات كشفتها قبل أن ترتفع الحرارة بدرجة واحدة. فريق الصيانة في الطريق."

هذا هو جوهر Tier IV: التنبؤ بالفشل قبل حدوثه. آلاف الحساسات، خوارزميات تعلم آلي تحلل أنماط الأعطال، وطواقم مهندسين مستعدة دائماً. لكن هل هذا يستحق التكلفة الهائلة؟

خالد يبتسم: "الشركات الكبرى - Amazon وMicrosoft وGoogle - تدفع ملايين الدولارات شهرياً لضمان أن خوادمها لا تتوقف حتى لثانية واحدة. توقف ثانية واحدة في Black Friday يكلف Amazon ملايين الدولارات. الآن تخيل توقف أنظمة حكومية حساسة، أو نظام تشخيص طبي، أو شبكة مدن ذكية. التكلفة ليست مالية فقط - قد تكون حياة بشرية."

ثلاثة سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول: النجاح الكامل تصبح الرياض مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات، تستضيف بيانات 400 مليون شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شركات أمازون ومايكروسوفت وغوغل تختار الرياض كمقر إقليمي بسبب البنية التحتية المتطورة، الكهرباء الرخيصة، والموقع الجغرافي. المملكة تحقق 235 مليار دولار إضافية بحلول 2030، وتخلق 300,000 وظيفة تقنية جديدة. الذكاء الاصطناعي "بالعربي" يتطور بسرعة بفضل القدرات الحاسوبية الهائلة.

السيناريو الثاني: النجاح الجزئي (الأرجح) مراكز البيانات تعمل بكفاءة عالية، لكن تملؤها يأخذ وقتاً أطول من المتوقع. الشركات العالمية حذرة، تفضل البداية بمشاريع تجريبية صغيرة قبل الاستثمار الكبير. القطاع الحكومي يستخدم 40-50% من القدرة، والباقي يتطلب جهوداً تسويقية وحوافز ضريبية لجذب العملاء. المشروع يحقق جزءاً من الأهداف المالية، لكن يصبح أساساً قوياً للمستقبل. بعض المراكز تعمل بطاقة أقل من 65 كيلوواط للرف لتوفير التكاليف.

السيناريو الثالث: التحديات المتراكمة التكاليف التشغيلية تتجاوز التوقعات، خاصة في استهلاك المياه والطاقة. نقص المهندسين المتخصصين يؤدي لأعطال متكررة. المنافسة الإقليمية من الإمارات ومصر والأردن تقلل الطلب المتوقع. بعض المراكز تضطر للعمل بمعايير Tier III بدلاً من IV لخفض التكاليف. المشروع لا يفشل، لكن يحتاج إعادة معايرة وإعادة تقييم الأهداف.

خاتمة: في انتظار القصة الحقيقية

بينما تغرب الشمس على الرياض، ويبدأ مركز البيانات استهلاك ذروة الطاقة اليومية - 87 ميجاوات - يجلس خالد على كرسي بلاستيكي خارج غرفة التحكم، يحتسي قهوة عربية باردة من ترمس قديم. يقول: "في كل يوم أدخل هنا، أشعر أنني جزء من شيء أكبر مني. هل سننجح في بناء مستقبل رقمي للمنطقة بأكملها؟ لا أعرف. لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه: إذا لم نحاول، سنظل دائماً تابعين لمراكز البيانات في أمريكا وأوروبا والصين."

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت مراكز البيانات هذه معجزة هندسية - هي كذلك بالتأكيد. السؤال الحقيقي هو: هل ستملأها المملكة بخوادم تعالج بيانات حقيقية وتدرب نماذج مفيدة، أم ستبقى قدرات هائلة في انتظار من يستخدمها؟ الإجابة ستكتبها السنوات الخمس المقبلة.

في الداخل، تستمر المراوح في الدوران، والشرائح في العمل، والأضواء الخضراء في الوميض. 99.995% من الوقت. 26 دقيقة فقط سنوياً للتوقف. أو هكذا يُفترض.


المصادر:

  • GOV.SA - SDAIA President Launches High-Capacity Technical Projects
  • الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي
  • مقابلات خاصة مع مهندسين ومحللين (أسماء مستعارة لحماية الخصوصية)
  • UPTIME Institute Standards and Certifications
  • تقارير استهلاك الطاقة في مراكز البيانات 2023-2026

مقالات ذات صلة

مركز بيانات حديث للذكاء الاصطناعي في الرياض يعكس استثمار هيومن بقيمة 1.2 مليار دولار
📰 أخبار عامة

صفقة بـ 1.2 مليار دولار: هيومن السعودية تراهن على مستقبل الذكاء الاصطناعي

في قلب الصحراء السعودية، تُبنى إمبراطورية رقمية جديدة. صفقة بـ 1.2 مليار دولار تضع الرياض في مواجهة مباشرة مع وادي السيليكون. هل ستنجح المملكة في تحويل رمالها إلى سيليكون؟

٢١‏/١‏/٢٠٢٦
6 دقائق
مقر OpenText الإقليمي الجديد في مركز الملك عبدالله المالي بالرياض
📰 أخبار عامة

OpenText تفتتح مقرها الإقليمي في الرياض: السعودية تقود التحول العالمي للذكاء الاصطناعي

افتتحت OpenText، إحدى أكبر شركات إدارة معلومات المؤسسات عالمياً، مقرها الإقليمي في الرياض، مؤكدة أن المملكة تقود التحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة تفوق جميع الأسواق الأخرى.

١٦‏/١‏/٢٠٢٦
4 دقائق
السعودية تضع معيارًا عالميًا في تحديث الذكاء الاصطناعي
📰 عام

كيف تخطط السعودية لتصبح 'وادي السيليكون' الشرق الأوسط

في مكاتب فاخرة في الرياض، يجتمع مسؤولون سعوديون مع خبراء من Stanford وMIT لرسم خريطة تحول جذري. الهدف؟ تحويل صحراء قاحلة إلى واحة رقمية تنافس وادي السيليكون. طموح جنوني أم خطة واقعية؟

٨‏/٢‏/٢٠٢٦
10